- أخبار عاجلةمقالات

26 سبتمبر.. انتصار ثورة وميلاد شعب

بقلم: رشاد المخلافي

تعد الثورة اليمنية 26سبتمبر1962م واحدة من أعظم ثورات الشعوب التحررية، الثورة التي أنهت عصور سوداء مظلمة من حياة شعبنا، عاش خلالها حياة غارقة في البؤس والضياع، ثورة طوت 1150سنة من الظلم والإلغاء، والسجون والقيود الحديدية والتنكيل والاستعباد، في ظل أعتى حكم استبدادي كهنوتي عنصري في التاريخ.

تعرضت اليمن – أرضا، وإنسانا، وهوية – للنهب والمصادرة والتغييب القسري، ودخلت عهود طويلة في غيبوبة وجمود وانحدار حضاري مريع، طالتها حملات من التشويه والتزوير والسرقة، كما تعرضت لعمليات واسعة من التجريف الممنهج طال الهوية والذات والتاريخ والآثار اليمنية.

عمل الكهنوتيون على تزييف الوعي وتشويه الوجدان اليمني، وعلى أنقاضه فرض وجدان وهوية طائفية دخيلة، كما كرسوا سياسة التجهيل وخلقوا الانقسام بين المجتمع، وعملوا على تعميقه، حتى أحدثوا تصدع هائل في البنية الاجتماعية اليمنية، وأججوا الصراعات الطائفية والمناطقية والقبلية بين اليمنيين، كما عزلوا اليمن عن محيطها العربي والخارجي، فحولوها الى سجن كبير خلال عصور حكمهم البائد الذي أرتكز على خرافة “الحق الإلهي” ومزعومية الاصطفاء العرقي العنصري، الأكثر إنحطاطا وتخلفا وبشاعة في التاريخ الإنساني.

دخلت اليمن لقرون عدة في نفق مظلم أتسم بالاستبداد والسجون والقيود الحديدية، والتنكيل وجز الرقاب، فساد الجهل والفقر والمجاعة، والأوبئة والأمراض التي فتكت بحياة آلاف اليمنيين حتى أمتلئت المقابر.

فقدت اليمن استقرارها السياسي في ظل سيطرة حكم الأئمة الفاشي، ودخلت في دوامة الصراعات والحروب، نتيجة التنافس المحموم على السلطة والحكم والثروة بين أقطاب الأسر السلالية، كل واحد منهم يدعي أحقيته في الإمامة، فتحول ابناء القبائل الشمالية إلى ضحايا تلك الحروب فقد شكلوا حطب ووقود تلك الصراعات المستعرة بين ( أقطاب البطنين!) على السلطة والحكم.

دفع اليمنيون ثمنا باهضا.. وتحولوا إلى أمة معاقة ممزقة ومستعبدة، أمة تعيش خارج التاريخ، بعد أن كانت أمة في قلب التاريخ وصانعة للأحداث والتحولات الحضارية العظيمة.

مرت الحركة الوطنية بمراحل ومحطات متعددة بدأت في الأربعينيات من القرن الماضي عرفت بمرحلة الدستوريين تعرض رموزها للقمع والتنكيل، أعدم عدد منهم وسجن آخرون في قلعة حجة سيئة الصيت بينما تمكن الجزء الآخر من الفرار إلى عدن وعلى رأسهم الشهيد محمد محمود الزبيري.

تطور فكر الثورة في بداية الخمسينات مع ظهور الضباط اليمنيين الذين تخرجوا من مصر والعراق وأحتكوا بتلك المجتمعات المتطورة حينها، كما أن طلاب الكلية الحربية ومدرسة الشرطة ومدرسة الإشارة وضباط الصف في السرايا والتي تشكلت على يد البعثة العراقية شكلوا جزء من الضباط الأحرار حيث أنظم عدد من ابناء المدرسة المتوسطية في صنعاء وتعز والحديدة وعددا من ابناء المشايخ الذين تضررت مصالحهم من الإمامة.

جمع الضباط الذين ابتعثوا لمصر والعراق وعدد من الضباط الذين تخرجوا من الكلية الحربية جمعهم فكرة الثورة .. ومع بداية الخمسينات بدأت الحركة الوطنية تطرح النظام الجمهوري متجاوزة فكرة الاصلاحات التي تبنته الحركة الدستورية، فشكل هذا نقلة نوعية في تطور نضال الشعب اليمني ضد الإمامة، الذي تطورت مراحله بتشكيل حركة الضباط الأحرار في ديسمبر عام 1961م حيث تبنت الثورة الجذرية والقطيعة مع الماضي المظلم نهائيا، فكان هذا تجسيدا لمرحلة من التطور توجت بتفجير الثورة على الكهنوت يوم 26سبتمبر عام 1962م.

فجاء أيلول العظيم الذي شكل فجر اليمنيين المشرق بتطلعاتهم وأحلامهم المشروعة، وأعاد للإنسان اليمني حريته وكرامته، وللتاريخ اعتباره، وللهوية اليمنية مكانتها، أيلول العظيم أعاد اليمنيين إلى قلب التاريخ والحضارة ليكون صانعي التاريخ والتحولات العظيمة، ومدافعون عن وجودهم وهويتهم وثورتهم التي منحتهم حقهم المشروع في الحرية والحياة الكريمة على أرضهم.

تعرضت الثورة والجمهورية في سنواتها الأولى الى حرب شرسة لثمان سنوات في محاولة لإسقاطها، عندما أستعاد المعسكر الملكي (جحافل الإمامة الكهنوتية) ترتيب صفوفهم في جبال الشمال، وتلقوا الدعم السخي من إيران أيام حكم الشاه آن ذاك، ومن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ودول غربية وإقليمية أخرى، مدتهم بالسلاح والأموال وبأكثر من سبعة آلاف مقاتل مرتزق “بريطانيون وفرنسيون وبلجيكيون” ومن دول غربية مختلفة كانوا يقاتلون في صفوف الملكيين، شنوا حربا شرسة لإسقاط الثورة والنظام الجمهوري وزحفوا إلى صنعاء وكادوا أن يسقطوا العاصمة ولنظام الجمهوري في حصار صنعاء عام1967م، إلا أن الجمهوريين المتشبعين بأهداف الثورة وإيمانهم العميق بالقضية الوطنية العادلة.

رغم قلة عددهم الذي لا يتجاوز الثلاثة آلاف مقاتل وبأقل الإمكانات التي لا تقارن مع ما يمتلكه معسكر الملكيين الإمامي المتفوق بالسلاح والأعداد وآلاف الخبراء والمقاتلين المرتزقة الأجانب، حينها أستمات الجمهوريين في الدفاع عن الثورة والجمهورية وقاتلوا بشراسة على أطراف العاصمة صنعاء، حيث وصل فلول الملكيين حينها الى بعض أحيائها الشرقية والجنوبية وعلى أطرافها وضواحيها، وعلى الطرف الآخر أستطاع المعسكر الجمهوري مواجه الملكيين ودافعوا عن العاصمة والثورة والنظام الجمهوري، كما أن يقظة الشعب الذي أدرك المخاطر التي تحدق بالثورة والنظام الجمهوري، هب ببسالة للدفاع عنهما خلال حرب السبعين يوما، أسفرت المعارك حينها عن سحق المعسكر الملكي الإمامي والمرتزقة الغربيين ودحر الحصار، فأنتصر الشعب لثورته ولنظامه الجمهوري ودولته وهويته، وصمدت العاصمة صنعاء وسقط الحصار، وكانت المرة الأولى في التاريخ، تنتصر فيها صنعاء ويسقط محاصريها.

برزت ملامح مؤامرة السلاليين التي واجهتها 26 سبتمبر من الداخل الجمهوري في انقلاب 5 نوفمبر عام 67م، السلطة التي تساهلت كثيرا مع الملكيين وساهمت في توغلهم، وبرز التأثير السلالي في أحداث أغسطس الدامي عام 1968م الذي تعرض فيه ثوار سبتمبر وأبطال معركة السبعين يوما للتصفية الجسدية والملاحقة والسجن والتنكيل، وشكلت هذه بداية الانتكاسة التي تعرضت له الثورة والنظام الجمهوري، قادت الالتفاف على الثورة في الاتفاق المشين عام 1970م الذي بموجبه منح الملكيين الحصانة، وأعادتهم إلى الداخل الجمهوري، وأنتهى بتقاسم السلطة والثروة، حينها بدأت مرحلة قيادة الثورة المضادة من الداخل الجمهوري ومن داخل مؤسسات الدولة من أجل إسقاط النظام الجمهوري.

شكلت الثلاثة العقود الماضية الحقبة الذهبية لقوى الثورة المضادة، حيث توسعت دائرة نشاط الدولة العميقة (الهاشمية السياسية) وبرز رموزها بشكل لافت، بعد أن غيبت دولة اليمنيين ونظامهم الجمهوري، في ظل سيطرة واضحة لمؤسسة الفساد التي شكل السلاليون جزء أساسي فيها، فأزداد توغلهم داخل مؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة (القضائية والعسكرية والمدنية والمالية) بشكل غير مسبوق وجرى استبدال جيش الجمهورية بوحدات عسكرية أخرى ذات عقيدة وولاءات غير وطنية (مناطقية وطائفية سلالية وعائلية)، ومن ثم التآمر على ماتبقى من الجيش الوطني في حروب صعدة الستة.

ازداد النشاط التخريبي الممنهج وتوسعه داخل النظام السياسي رأسيا وأفقيا بشكل لافت، أنهي ما تبقى من حضور ونشاط وطني لمؤسسات الدولة المختلفة وتحولت إلى واجهات ديكورية يتخفي ورائها الفساد، وهي المرحلة التي عملت على تعطيل تام لأهداف الثورة وأفرغت الجمهورية من ما تبقى لها من مضامين إنسانية ووطنية على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وظهرت مرحلة تلميع الإمامة وتمجيد تاريخها والترحم على ماضيها بشكل علني وسافر وهذا يكشف مدى التشوه والتصدع الذي أنتجته مؤسسة الفساد بالتزامن مع بروز الأسرة ومشروع التوريث، واتساع دائرة الفقر بشكل مخيف، حينها أدرك الشعب اليمني أنه قد وصل إلى طريق مسدود، ودخلت البلد في نفق مظلم.

دفعت الشعب الى تفجير الثورة في 11فبراير2011م الثورة الشعبية السلمية، التي انتهجت سلوك سلمي بأسلوب حضاري وغير مسبوق عكس وعي الثوار ومنهجية الثورة السلمي في التغيير على الرغم مما تعرضت له من التشويه الممنهج والقمع المفرط وشتى أساليب الإرهاب الذي تعرض له الثوار من قبل النظام السابق لكن الثورة صمدت ولم تثنيها التحديات والتضحيات الكبيرة في سبيل الأهداف السامية والنبيلة في سبيل الوصول الى الدولة المدنية المنشودة وهي هدف كل اليمنيين.

لم تكن 11فبراير ترفا أو حدثا عابرا، وإنما أتت نتيجة التراكمات التاريخية للقضايا والأحداث ومسارات التحول داخل المجتمع يدفعها للتغيير ما أحدثه النظام من حرف مسار الجمهورية وتعطيلها والقضاء على الثورة الأم سبتمبر واكتوبر والانحراف الكبير في مسار التحول الوطني وفي الأحداث والقضايا.. الذي أحدثه النظام طيلة الثلاثة العقود الماضية، اتت فبراير كحاجة وضرورة شعبية ووطنية ملحة فرضتها الإنحرافات في مسار الثورة وتعطيل أهدافها والمآلات الكارثية التي وصلت إليها البلد في ظل الفشل السياسي والاقتصادي والأمني المتراكم، وسيطرة واضحة لمؤسسة الفساد وتغولها التي التهمت ثروات البلاد ومقدراتها، واتساع دائرة الفقر في أوساط الشعب بشكل مخيف.

11فبراير التي تخلقت داخل رحم سبتمبر وخرجت منه فشكلت امتداده الطبيعي وتراكم صيرورته التاريخية، لتعيد الثورة والجمهورية إلى مسارها.

كانت فبراير على وشك أن تكمل هذا الانجاز العظيم في مشروع التحول الوطني الديمقراطي الكبير وبناء الدولة الاتحادية المدنية الحديثة، إلا أن أدوات الثورة المضادة والمتكالبة وهي قوى ما قبل 26سبتمبر 62م المتربصة بحاضر ومستقبل اليمنيين كانت قد أستكملت مؤامراتها عبر مليشيا الحوثي مستنده إلى الخيانة وأدواتها القذرة وإرثها القديم، فقامت بالانقضاض على الثورة في الانقلاب الدموي يوم 21سبتمبر 2014م وأسقطت الدولة والجمهورية معلنة بشكل رسمي عودة الإمامة الكهنوتية من جديد.

لكن مالم يدركه أحفاد الكهنوت الفارسي أن الوضع تغير كثيرا على الأرض فقد توحدت الجغرافيا والمجتمع ضدهم وباتت تلفظهم وهناك جيش وطني سبتمبري تأسس بطرق علمية يحمل عقيدة وطنية ولاؤه المطلق لله ثم للوطن والشعب والجمهورية، وهو ما مكنه من تحرير أكثر من 85%من الأرض اليمنية وبات يدك معقل زعيم المتمردين في مران، وأوشك انجاز المهمة الوطنية في معركة الجمهورية المقدسة ضد الكهنوت لاستعادة دولة اليمنيين وعاصمتهم وهويتهم الوطنية.

اترك تعليقاً
الوسوم
شاهد المزيد

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق